0
في غزة


الاغتراب والغربة في مساحة الانكشاف الذاتي
هداية شمعون(*)
كثيرة هي الأشياء التي تعلق كغصة في عقلنا وروحنا فتكاد تلفظ انسانيتك بتكاثرها.. لا أعرف كيف يمكن البدء ببداية هادئة عكس كل ما يجول من جنون حولنا، إنها أشبه بولادة حزن وألم مستمر حد النهايات وتكاد البدايات تغزل النهايات قبل ولادتها.. في غزة أنت محكوم بالألم تتعلم جيدا كيف تصبح ساخرا حد القهر أو ممثلا أو مدعيا أو صادقا حد الوجع... تجد نفسك محاطا بسلسلة من الأوجاع التي تتقافز في كل جملة أو سؤال أو لقاء مع قريب أو بعيد وجاهيا أو الكترونيا.. في المنام أو اليقظة.. الاعتقال السياسي، الكهرباء، الأسرى، الرواتب، المعابر، البطالة، الفقر، الشباب، القهر، الانقسام، الأخلاق، السلوك، ثقافة التكيف اللعينة، بالنهاية تجد مسمى لكل ذلك غزة الحزينة...!!
الاعتقالات السياسية.. هكذا دون مقدمات قد تجد أو تجدي نفسك في غياهب السجن دون أن يعرف أحدا عنك شيئا!! ولا تحاولي أن تجتهدي بمعرفة مالا يحمد عقباه.. إنها ثقافة الخوف مرة أخرى تتعاظم بسكوتنا وصمتنا فيكبر الخوف وتكبر الأسئلة وتختفي الإجابات.. ببساطة تعتقل إعلامية فلسطينية لمدة أسبوع ويزيد ومطلوبا منا كإعلاميات أن نصمت فقط، وكأن تغريد التي تعمل في تليفزيون فلسطين لم تكن شيئا.. لماذا يجب أن نصمت فعليا أتسأل؟؟ ولماذا يجب أن تختفي وتعتقل وليس من حق أحد أن يسأل أو يعرف ما يحدث؟؟! ليس جديدا ولكن الجديد أننا بتنا مقهورين حد الموت بالعشرات من القضايا التي باتت تأسرنا جميعا.. لا صدق أبدا في روايات وشائعات لكل انتهاك أو اعتقال إلا تشويها وافتراءا مادام دون أدلة ودون اتاحة المجال للوصول للمعلومات لذلك القاعدة الأولى لا لانتهاك عقولنا ووضع فزاعة الأمن هكذا دون منطق..
خطابات السياسيين باتت أكذوبة وحدوتة ولا تحمل أي مضامين جادة حريصة على مصلحة الشعب، إنها خطابات هدامة لا تمثل إلا القيادة المهترئة وتكشف الكثير من الترهل والعشوائية والسطحية في مناقشة معاناة شعب بأكمله، فاللعبة السياسية قذرة لكن الشعب هو الضحية الأولى، لماذا لا يفكر المسؤول ألف مرة قبل أن يقول كلمة واحدة ألا يفكر أن هنالك الآلاف على أمل ولهفة أن يسمعوا ما يلامس قلوبهم ويقضي على خوفهم وقلقهم من استفحال آلامهم اليومية؟!! ما معنى أن ننسى ذواتنا ونصبح كانشطارات نجم زائف كل منا في اتجاه ولا هدف ولا رؤية ولا حكماء!! الصمت أصبح نوعا من أنواع مقاومتنا لكل هذا الوجع والقهر واليأس الذي يحيط بنا..!! الآلام تزداد ولا أحد يصغي!! ألف وخمسمائة أسير يخوضون معركة قاسية بأجسادهم وأرواحهم ونحن نشعر أننا أسرى مثلهم لكنهم الأنقى والأطهر فهم بمعركة مفهومة واضح فيها العدو من الصديق، بينما باقي الشعب الأسير لم يعد يعرف عدوا من صديق بعد أن تكالبت عليه الخيانات..!! من يفهم قصص الناس وأوجاعهم؟؟ من يحاول أن يترك مساحته المرفهة كي يفهم لماذا زوج وزوجة بمحض إرادتهما يتفقان على أن تطلق طلقة واحدة لتسجل -ورقة مطلقة- لتسهل حصولهما على معونات..!! كوبونة لا تذكر كقيمة مادية..!!  لكن في ظل أزمة لقمة العيش تتهاوي المنظومة الأخلاقية والإنسانية في العلاقات الاجتماعية، إنه التكيف السلبي والاستخفاف بكل القيم والمبادئ لأجل أي شيء.. نوع من الهروب من دوامة الحياة إلى دوامة الكذب واللامعنى فماهي القيم والمبادئ التي نتوقع أن نجدها في الأجيال القادمة.!!
إنه الشعور والاحساس بالاغتراب داخل الوطن الأكثر شراسة وقسوة من الهجرة والتوجه لخارج هذا الجحيم بكل ما للكلمة من معنى.. يشتد القهر فسوط من القيادة التي لازالت تجثم على صدر الشعب وتنسيه مفهوم ومعنى الاحتلال لظلمها وجبروتها!! وسوط آخر يكبر من عذابات الناس أنفسهم يبرر لهم أي تجاوز أخلاقي وقيمي فباتوا منكشفين ومكشوفين على الخسارات الأخلاقية والإنسانية دون أن يثير لديهم ذلك أي معنى...!!
أين الإنسان في غزة..!؟ إنه أضغاث سراب يكاد يتلاشى وهو يعيش في طاحونة تدك يديه تارة.. وصدره تارة.. وقلبه تارة أخرى حتى نالت من روحه وأبقته خطوط وجه حفرت كل الألم على دربه فبات يبحث عن حياة أخرى أو أرض أخرى حتى لو في خياله.!!
إن تفكيك المعادلة اليومية في غزة الآن لم تعد ذات معنى فأقسى شعور تعانيه يوما يقينك بأنك فأر تجارب لا أكثر، تلعب فيك الشائعات وسيل المعلومات والتحليلات اللامنطقية لأي أحد في ظل استخفاف المسؤولين وضياع بوصلتهم الحقيقية فهم لا يملكون الشجاعة الكافية ليواجهوا مخاوف وآلام الناس، ولا يملكون عصا سحرية لأنهم يعتبرون أنفسهم فوق الناس، ومن هنا بدأوا يخسرون معاركهم تباعا، وبات الجميع يدرك أنه ليس إلا سجن أكبر قليلا لكن أنفاسه معدودة وردود فعله أيضا محسوبة.!
إن الاغتراب هو شعور بات جمعيا، ولا يضاهيه شعور وكافة خطوط المتاهة التي تعيش في عقل وروح كل من يقطن غزة هذه الفترة لا يجد متاحا للفرار إلا بالذوبان في جملة القضايا المرهقة التي لم يعد يحتملها، وإما باعتبار الكثير من هذه القضايا الوطنية والإنسانية بالمقام الأول ليست إلا هما ذاتيا وبالتالي يجتهد ليخفف عن كاهله عبئ التفكير اليومي بها أو المساهمة بها، وإما يبحث عن الخلاص الفردي بالمزيد من التفكير بأطواق نجاة حتى لو كانت وهمية أو مؤقتة وهنالك خيارات أخرى للأسف يقع فيها الشباب تحديدا وهي ليست حلولا بقدر ما هي أفخاخ قاتلة تضيع زهرة شبابهم بها.. هذه الخلاصة ليست إلا جزءا من التيه في عدم جدوى تحميل المسؤولية لجهة بعينها بقدر ما هي دفع العجز الفردي والجمعي لأي تغيير أو تأثير متأمل في القريب العاجل.
رية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) كاتبة وإعلامية
السابق
موضوع أقدم.
التالي
رسالة أقدم

إرسال تعليق Blogger

 
Top