0

Cube2

دراسة بحثية جديدة

 

تقرير: هداية شمعون (*)

أظهرت دراسة حديثة لمركز شؤون المرأة- غزة أن الانقسام ترك آثاراً على العلاقات الأسرية في كل بيت، فقد أثّر على العلاقات الزوجية، فأحدث مشاكل بين الأزواج لم تكن موجودة، حيث أجمعت المبحوثات على أن حياتهن وعلاقاتهن بأزواجهن تغيّرت للأسوأ بعد الانقسام السياسي، وقد أصبح تأييد فصيل بعينه أمراً مصيرياً في حياة الأسرة، يترتب عليه مستقبلها، وأصبحت النقاشات تثير جواً من التوتر بين الزوجين؛ لينتج عنه ،في المحصلة، خصام أو عنف لفظي أو جسدي.

كذلك الأمر بالنسبة لعلاقات الأشقاء؛ التي أصبح الانتماء الحزبي هو الفيصل فيها، ووجدت الدراسة أن الانقسام أثّر على علاقة الآباء والأبناء، فالآباء جحدوا أبناءهم، والأبناء فقدوا احترامهم لآبائهم. كما وجدت الدراسة أن الانقسام أثّر على العلاقات الاجتماعية؛ فأحدث فيها فجوات وشروخاً على صعيد علاقات الجيران، والأقارب، وعلاقات زملاء العمل، لينشر أجواء من التوتر في كل مكان. حتى الأفراح طالتها نيران الانقسام، فقد وجدت الدراسة أن اختلاف الانتماءات الحزبية دمر العديد من الأفراح، كما أحدث الانقسام تغييراً جذرياً في حياة الكثير من العائلات، حيث أغلقت المؤسسات أبوابها، ووجد غالبية الموظفين أنفسهم بدون عمل، هذا بالإضافة إلى العمال والعاملين في المؤسسات الخاصة الذين فقدوا أعمالهم، فاختلفوا في كيفية تأقلمهم مع الوضع الجديد، فمنهم من لجأ للهروب من الواقع بالسهر على الإنترنت أو التلفاز، ليقضي نهاره في النوم. ومنهم من سيطر عليه الإحباط ففقد الرغبة في الحياة واستكان للوضع الحالي، ومنهم من سيطر عليه الشعور بالنقمة والعدائية؛ فأصبح يصب جامّ غضبه على زوجته وأبنائه، وكثيراً ما أدّى العنف الجسدي واللفظي الذي يمارسه الزوج إلى الطلاق في الحالات التي زاد فيها العنف عن الحدّ الممكن احتماله، أو أدّى إلى إصابة الزوجة بأذى بالغ، مما انعكس سلباً على نفسية الأبناء.

وقام مركز شؤون المرأة – برنامج الأبحاث بتدريب عدد من الباحثات في منهجية البحث النسوي، وأعطاهن فرصة لإعداد دراسات حول واقع المرأة الفلسطينية الحالي ومدى تأثرها بالحصار والاقتتال الداخلي من بداية يونيو لنهاية نوفمبر أي 4 شهور، قامت فيه الباحثات باختيار قصدي( عمدي) لعينة الدراسة بحيث تغطي جميع فئات النساء في قطاع غزة حيث تم اختيار النساء اللاتي تأثرن و تأثرت حياتهن الأسرية والاجتماعية  واشتملت الدراسة أوجه مختلفة للخلافات فيما بعد الانقسام خلافات بين الأزواج, الإخوة , الآباء والأبناء وبين الجيران بالإضافة إلى الخلافات مع أهل الزوج والزوجة كما اشتملت الدراسة الحالات التي تعرضت فيها النساء للعنف الأسري بسبب الظروف النفسية السيئة التي يعاني منها الزوج أو بسبب الفقر والبطالة و حالات الطلاق والهجر التي حدثت بعد الانقسام السياسي واشتملت الدراسة زوجات وأزواج فقدوا أعمالهم وتأثرت حياتهم بشكل مباشر بالإضافة إلى نساء من تنظيم فتح وأخريات من حماس و كيف تأثرت علاقاتهم الأسرية والمجتمعية كما شملت نساء في عائلات تختلف فيها الانتماءات السياسية داخل الأسرة.

هذا ورصدت الدراسة الكثير من الأسر التي هاجر فيها الزوج، ووجدت أن النساء أصبحن يقمن بدور المرأة والرجل في آن واحد. فالنساء يتحملن أعباء المحافظة على البيت والأبناء، ويعشن حالة مستمرة من الخوف والقلق، مما أفقدهن الثقة بأنفسهن، وولّد لديهن نزعة التطرف الحزبي، والحقد على كل من كان له ضلع فيما حدث. ووجدت الدراسة أن خيارات النساء صعبة، فصعب على النساء اللحاق بأزواجهن؛ خصوصا في الأسر التي لديها أبناء في المدارس، وصعب عليهن البقاء بدونهم، ولم تجد بعض النساء حلاً سوى الطلاق..!

ووجدت الدراسة أن هناك رغبة حقيقة لدى النساء لتحقيق المصالحة الوطنية، والسعي الجاد لإنهاء حالة الانقسام وتبعاتها؛ كمدخل لحلّ جميع المشاكل التي تواجههن في حياتهن وتهدد مستقبلهن.

الهدف العام من الدراسة

دراسة آثار الانقسام السياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة والحصار الجائر على القطاع على العلاقات الأسرية والاجتماعية من منظور ورؤية النساء التي تأثرت حياتهن بشكل مباشر.

أدوات البحث

النساء في هذه الدراسة لسن مجرد حالات دراسية بل هن واقع بكل آلامه وجروحه هن تجارب حية لوقائع حدثت في البيوت , وبين الأحياء, وكيفية تعامل كل واحدة مع ما تمخض عنه الانقسام السياسي لذا فكانت المقابلات بلغة النساء وبوصفهن وبأحاسيسهن وطرق معاملتهن مع ما فرض عليهن الواقع كما وضحت المقابلات وجهة نظر النساء ورؤيتهن للأمور من منظور لم يره احد منظور الأم والأخت والزوجة.

تم في البحث التركيز على أدوات وآليات البحث النسوي الذي يعتمد على البيانات الكيفية من مقابلات ودراسة حالات. اعتمد البحث على: المقابلات المعمقة حيث تم مقابلة 30 امرأة من قطاع غزة من مختلف الاهتمامات والتوجهات السياسية، والمناطق الجغرافية، ومستوى التعليم والمستوى الاقتصادي فكانت منهم الطالبة الجامعية والموظفة وربة البيت والناشطة النسوية وجميعهن تأثرت حياتهن بشكل مباشر بالانقسام السياسي سواء على صعيد العلاقات الأسرية والاجتماعية أو على صعيد العمل.

الفترة الزمنية التي يغطيها البحث

يغطي هذا البحث الفترة الزمني من فترة الانقسام السياسي الذي حدث في يونيو 2007 حتى نوفمبر2008

أهم معوقات الدراسة:

واجهت الباحثات العديد من العقبات والتي تمثلت في:

1- تخوف بعض المبحوثات خصوصا الموظفات أن تكون الدراسة لأغراض سياسية فيقطع الراتب, أو تكون لفصيل آخر فتعاقب أو تقمع.

رفضت المبحوثات من المطلقات أن يكن ضمن عينة الدراسة, وان يتحدثن عن الأسباب الحقيقية لطلاقهن رغم المحاولات التي أجريت من قبل الباحثة وإعطاء تطمينات بعدم الكشف عن هويتهن ورغم ذلك رفضهن الحديث بالمطلق وتم الاكتفاء بحالات الطلاق التي تمت بسبب الأوضاع الاقتصادية وانعكاساتها النفسية.

2 – رفضت بعض المبحوثات التسجيل واعتبرت أن صوتها يمكن أن يكشف هويتها.

3 - أبدت المبحوثات تحفظا في حالات الهجر على الخلفية السياسية على أمل أن تتصلح الأمور,وعدم إلحاق الضرر بالزوج في حالة الوفاق السياسي والعودة لأرض الوطن.

4 - كانت المقابلات في الوقت الذي كان قطاع غزة يعيش أزمة المواصلات الخانقة فوجدت الباحثات صعوبة كبيرة في التنقل لإجراء المقابلات.

5- توقعت المبحوثات عوائد مادية أو معنوية من المقابلات ففي حالات انقطاع الزوج عن العمل توقعت مساعدات أو طرود غذائية وفي حالات الهجر توقعت وساطات لإعادة الزوج, أو مساعدتها في الوصول إليه

6- كان صعبا على المبحوثات الحديث عن تفاصيل حياتهن الخاصة وما تعرضن له من عنف لكن بعد تولد الثقة في الباحثة أبدت المبحوثات رغبة كبيرة في الحديث وكأنهن كن في أمس الحاجة لان تسمع أصواتهن وشكواهن وما تكبدنه من خسائر معنوية واجتماعية ومادية جراء الانقسام فكان لهن آراءهن وتحليلاتهن مثل أن الخلافات كانت على أشدها بين جميع افرد المجتمع في بداية الانقسام بعدها أيقن الجميع أن كلا الفصيلين المتنازعين يسعى لمصالحة الحزبية والسياسية, وان في الشعب لا يوجد رابحا وخاسرا فالخسارة للجميع وان الآثار السلبية للانقسام طالت الجميع .

تقوم هذه الدراسة برصد ما خلّفه الانقسام على الأسرة الفلسطينية في قطاع غزة، وعلى العلاقات بين أفراد المجتمع، وعلى أدوار النوع الاجتماعي، في محاولةٍ لدق ناقوس الخطر للمسئولين أو صانعي القرار تجاه ما آلت إليه الأوضاع في قطاع غزة، والتي امتدت إلى الحيّز الداخلي المرتبط بالأسرة، وعلاقات الدم والقرابة.

تهدف الدراسة إلى معرفة آثار الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وكذلك أثر الحصار الجائر على قطاع غزة على العلاقات الأسرية والاجتماعية في القطاع؛ من منظور ورؤية النساء اللواتي تأثرت حياتهن بشكل مباشر بالانقسام. وتحاول الدراسة رصد أثر الانقسام على العلاقات الاجتماعية في داخل وخارج الأسرة، وأثره على الحالة النفسية للنساء حسب وجهات نظرهن وتقييماتهن، ورصد التغيرات في أدوار النوع الاجتماعي وعلاقات القوة في الأسرة نتيجة لفقدان أحد الزوجين لعمله أو لمكانته الاجتماعية، ومواقف النساء ودورهن في الخلافات التي حدثت بعد الانقسام، وتحليل أسباب بعض حالات الهجر التي حدثت بسبب الانقسام أو بسبب البطالة والحصار والحالة النفسية التي يعيشها سكان قطاع غزة.

أشارت أهم نتائج الدراسة إلى أن الانقسام لم يترك آثاره على الناحية السياسية فحسب، والتي أحدثت تغيراً في موازين القوى، لكنه أثّر كذلك على المجتمع ككل، وعلى الأسرة الغزيّة على وجه الخصوص، حيث ،ولأول مرة في تاريخ الشعب الفلسطيني، تصبح الحرب بين أبناء الشعب الواحد أمراً واقعاً، وليجد المواطن نفسه في حيرة كبيرة أن يكون مع من؟ وضد من؟. فالصراع ليس مع العدو هذه المرة؛ لكنه بين الإخوة؛ مما أحدث شرخاً في المجتمع، وقلب كل القيم والتقاليد رأساً على عقب.

أما بالنسبة للنساء اللواتي فقدن أعمالهن فقد أظهرت الدراسة أن الكثير من النساء لم يبدين ارتياحهن من ترك العمل؛ بل بالعكس؛ شعرن بالإحباط وتغيير في كل نمط الحياة.

ووجدت الدراسة أن الانقسام السياسي والفقر والبطالة التي اجتاحت قطاع غزة أثّرت على أدوار النوع الاجتماعي، فالعديد من الرجال لم يجدوا أي حرج من القيام بأعمال المنزل في الوقت الذي تكون فيه الزوجات في العمل، واستغنت الكثير من السيدات العاملات عن الحضانة. وأظهرت الدراسة أن هذا الأمر لم يلق استحسانا من جميع السيدات؛ حيث اعتبره بعضهنّ تدخلاً في صميم عملهن، في حين اعتبرته أخريات نوعاً من التقدير لجهودهن. كما وأظهرت الدراسة أنماطا مختلفةً من الأعمال التي قامت بها النساء، حتى يوفرن ولو جزءً من احتياجات أسرهنّ، والتي كان منها: البحث عن عمل بالمؤهلات المتوفرة، فعملن في روضات وحضانات ومحلات تجميل، بالإضافة إلى أن أخريات لجأن إلى أعمال في داخل المنزل مثل عمل المعجنات والكعك والمُرَبَيَات، وفي حال فشلت جهودهن لجأن للأهل لطلب المساعدة منهم.

أبرز التوصيات:

· يعاني مجتمع قطاع غزة الآن من فقدان الترابط الاجتماعي والأسري، لذا؛ فمن الضروري عقد ندوات وورشات عمل تستهدف النساء تدعو إلى الوحدة وإلى حرمة الدم الفلسطيني، وحثّ المرأة، التي هي أساس المجتمع، على التمسك بخيار الوحدة، في محاولة للتخفيف من حدة التوتر.

· ضرورة إيجاد سبل وطرق لحماية النساء اللواتي يتعرضن للعنف، وتوفير مقوّمات الصمود لهن؛ من خلال القيام بمشاريع إنتاجية وإشراكهن في عجلة الاقتصاد الوطني بعد دراسة أوضاعهن المعيشية التي تردّت إلى درجة غير مسبوقة، وبالتالي؛ الحدّ من نسبة تردد النساء على المؤسسات الخيرية لطلب الإعانة عبر نظام الكابونة التي أصبحت ثقافة سائدة في مجتمعنا.

· الاهتمام بالنساء المهجورات اللواتي لا توجد أدنى حماية لهن، ولم تبادر الحكومة لدراسة أوضاعهن أو محاولة مساعدتهن للحاق بأزواجهن خارج الوطن، لذا؛ يتوجب على الحكومة أن تحاول مساندة تلك العائلات وتوفير الاستقرار لهن.

يذكر أن د.هديل قزاز كانت مستشارة الدراسة، وشاركت كل من الباحثتان سهاد عبيد، وماجدة البلبيسي في كتابة الدراسة والعمل الميداني بإشراف مركز شؤون المرأة وهو مركز نسوي متخصص بالأبحاث والتدريب بالمرأة الفلسطينية تأسس منذ العام 1991.

هذا وترافق عرض نتائج الدراسة خلال مؤتمر عقد في قاعة البتراء بتاريخ 30 نوفمبر بالتعاون مع ملتقى إعلاميات الجنوب- رفح، ترافق معه عرض فيلم من إنتاج مركز شؤون المرأة بعنوان: "إلى غزة ..سلا" يتحدث عن نفس موضوع الدراسة للتمكن من عرضه في حملات التوعية والتثقيف التي سيقوم بها مركز شؤون المرأة في العام الجديد 2009، والفيلم من سيناريو وإخراج اعتماد وشح، مونتاج وتصوير نور الحلبي.

إرسال تعليق Blogger

 
Top